نصر حامد أبو زيد
68
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
الأول ، فإننا يمكن أن نلاحظ أن النص ببنائه وتركيبه يتجاوز هذا المستوى الدلالي إلى أفق أبعد . ويبتدى هذا التجاوز في النص من خلال التبادل بين ألفاظ تنتسب إلى مجالين دلاليين مختلفين ، فنلاحظ مثلا أن الآية الأولى تجمع بين هذين المجالين ، فتستخدم اللفظ « رب » وتصفه « الذي خلق » فاللفظة الأولى تنتمي إلى مجال الأوصاف الانسانية في اللغة كما نرى في قولهم « لئن يربني رجل من قريش خير إليّ من حمر النعم » أو في قول عبد المطلب لأبرهة حيث تعجب من سؤاله عن إبله دون الكعبة « أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه » ، ولكن جملة الصلة : « خلق » ، تنقل المتلقي إلى مجال دلالي آخر . ويعود النص في الآية الثالثة « اقرأ وربك الأكرم » إلى المجال الدلالي الأول . وبكلمات أخرى نلاحظ أن مفردات « رب » و « كريم » مفردات تنتمي لمجال دلالي واحد ، هو مجال الصفات الانسانية ، لكن وصف الرب بأنه « الذي خلق » ثم التأكيد بالتكرار لفعل الخلق « خلق الانسان من علق » ينقل هذه المفردات السابقة من مجالها الدلالي المألوف في الصفات الانسانية إلى مجال دلالي ( جديد ) بالنسبة لمحمد وبالنسبة للثقافة . وهذه النقلة بين المجالين تتأكد من خلال تكرار الفعل « خلق » إذ يمكن أن ينتمي في الآية الأولى إلى مجال « الفعل الإنساني » حيث الخلق بمعنى تقدير الشيء وتصميمه قبل تحقيقه وتنفيذه كما نجده مستخدما في قول الشاعر : ولأنت تفري ما خلقت . . . وبعض القوم يخلق ثم لا يفري ولكن الآية الثانية بتركيبها « خلق الانسان من علق » تنقل الفعل من المجال « الانساني » إلى مجال دلالي جديد . وإذا كانت الآيتان الثالثة والرابعة تعودان بمفرداتهما إلى المجال الدلالي الانساني ، فان الآية الأخيرة في النص تنقل الفعل « علّم » من هذا المجال إلى المجال الجديد . ويتم ذلك عن طريق التكرار أولا ، ويجعل « الانسان » بألف ولام الجنس هو المفعول الأول ، « وما » مع صلتها المنفية التي تفيد الاستغراق هي المفعول الثاني . إن التكرار هنا أداة هامة جدا من حيث إنه ينقل الدلالة في النص من مجال إلى مجال ، وهو نقل يمكن أن نمثله على النحو التالي : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم